أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

274

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

هو جواب لقوله : « فذاك بنا تداني » ، فقوله تعالى : « بلى » ردّ لقولهم : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ أي : بلى تمسّكم أبدا ، بدليل قوله : هُمْ فِيها خالِدُونَ قاله الزمخشري ، يريد أن « أبدا » في مقابلة قولهم : إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً وهو تقدير حسن . والبصريون يقولون : إنّ « بلى » حرف بسيط . وزعم الكوفيون أنّ أصلها بل التي للإضراب ، زيدت عليها الياء ليحسن الوقف عليها ، وضمّنت الياء معنى الإيجاب ، قيل : تدلّ على ردّ النفي والياء تدلّ على الإيجاب ، يعنون بالياء الألف ، وإنما سمّوها ياء لأنّها تمال وتكتب بالياء ، ولتحقيق المذهبين موضع غير هذا ، وسيأتي الكلام إن شاء اللّه في بقية حروف الجواب . قوله : مَنْ كَسَبَ يجوز « من » وجهان ، أحدهما : أن تكون موصولة بمعنى الذي . والخبر قوله : « فأولئك » ، وجاز دخول الفاء في الخبر لاستكمال الشروط المذكورة فيما تقدّم . ويؤيّد كونها موصوفة ذكر قسيمها موصولا وهو قوله : « والذين كفروا » ، ويجوز أن تكون شرطية ، والجواب قوله « فأولئك » وعلى كلا القولين فمحلّها الرفع بالابتداء ، لكن إذا قلنا إنها موصولة كان الخبر : « فأولئك » وما بعد بلا خلاف ، ولا يكون لقوله « كسب سيئة » وما عطف عليه محلّ من الإعراب لوقوعه صلة ، وإذا قلنا إنها شرطية فيجيء في خبرها الخلاف المشهور : إمّا الشرط أو الجزاء أو هما ، حسبما تقدّم ، ويكون قوله « كسب » وما عطف عليه في محلّ جزم بالشرط . و « سيئة » مفعول به ، وأصلها : سيوئة ، لأنّها من ساء يسوء ، فوزنها فيعلة ، فاجتمع الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون ، فأعلّت إعلال سيّد وميّت ، وقد تقدّم . وراعى لفظ « من » مرة فأفرد في قوله « كسب » ، و « به » و « خطيئته » ، والمعنى مرة أخرى ، فجمع في قوله : « فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » . وقرأ نافع وأهل المدينة : « خطيئاته » بجمع السلامة ، والجمهور : « خطيئته » بالإفراد . ووجه القراءتين ينبني على معرفة السيئة والخطيئة . وفيهما أقوال . أحدهما : أنهما عبارتان عن الكفر بلفظين مختلفين . الثاني : السيئة الكفر ، والخطيئة الكبيرة . الثالث : عكس الثاني . فوجه قراءة الجماعة على الأول والثالث أنّ المراد بالخطيئة الكفر وهو مفرد ، وعلى الوجه الثاني أنّ المراد به جنس الكبيرة . ووجه قراءة نافع على الوجه الأول والثالث أنّ المراد بالخطيئات أنواع الكفر المتجدّدة في كلّ وقت ، وعلى الوجه الثاني أنّ المراد به الكبائر وهي جماعة . وقيل : المراد بالخطيئة نفس السيئة المتقدّمة فسمّاها بهذين الاسمين تقبيحا لها ، كأنّه قال : وأحاطت به خطيئته تلك ، أي السيئة ، ويكون المراد بالسيئة الكفر ، أو يراد بهم العصاة ، ويكون أراد بالخلود المكث الطويل ، ثم بعد ذلك يخرجون . وقوله : فَأُولئِكَ أَصْحابُ إلى آخره تقدّم نظيره « 1 » فلا حاجة إلى إعادته . وقرئ « 2 » « خطاياه » تكسيرا ، وهذه مخالفة لسواد المصحف ، فإنه رسم « خطيئته » بلفظ التوحيد . وقد تقدّم القول في تصريف خطايا . قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا . . « إذ » معطوف على الظروف التي قبله ، وقد تقدّم ما فيه من كونه متصرفا أو لا . و « أخذنا » في محلّ خفض ، أي : واذكر وقت أخذنا ميثاقهم أو نحو ذلك .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 39 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 279 ) .